الهدنة والعدة بين الشعور والتكليف
الهدنة والعدة بين الشعور والتكليف
مقاربة تكاملية في علم النفس، علم الاجتماع، علم الأعصاب الاجتماعي، وفقه المقاصد الإسلامي
ملخص:
تمر العلاقات الزوجية في بعض مراحلها بما يمكن توصيفه علميًا بفترات التعليق العاطفي، والتي تتمثل شرعًا في الهدنة أو العدة، ونفسيًا في مرحلة ارتفاع الاستثارة الدفاعية وانخفاض القدرة على المعالجة العقلانية المتزنة. تهدف هذه المقالة إلى تقديم إطار تكاملي يفسر ما يحدث نفسيًا وسلوكيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا لدى الزوجين خلال هذه المرحلة الحساسة، مع ربط ذلك بالنصوص الشرعية وتفاسيرها المعتبرة ومقاصدها، دون اختزال الدين في أوامر سلوكية جامدة، ودون فصل العلم النفسي عن السياق القيمي والاجتماعي الذي يعمل داخله.المقدمة:
فترة الهدنة أو العدة ليست فراغًا زمنيًا محايدًا، بل مرحلة عالية الحساسية نفسيًا واجتماعيًا وشرعيًا. تشير أبحاث علم النفس الإكلينيكي والعلاقي إلى أن التهديد بالانفصال أو فقدان العلاقة يُفعّل أنظمة التعلق والتهديد في الدماغ، ما يؤدي إلى تغيّرات جوهرية في الإدراك، التأويل، وضبط السلوك. وفي الوقت ذاته، عالج الفقه الإسلامي هذه المرحلة بنصوص دقيقة لا بوصفها مرحلة حسم، بل كإطار وقائي يمنع الظلم، ويضبط الانفعال، ويحفظ الكرامة الإنسانية للطرفين.
تعتمد هذه المقالة على إطار تكاملي يستند إلى علم النفس الإكلينيكي والمعرفي، علم الأعصاب الاجتماعي، علم الاجتماع الأسري، فقه المقاصد، والتفسير الإسلامي المعتبر، بوصفها منظومة واحدة تتقاطع عند فهم الإنسان تحت الضغط العاطفي.
أولًا: الأساس النفسي العصبي لفترة الهدنة
تُظهر دراسات التنظيم الانفعالي أن التهديد بفقدان العلاقة ينشّط الجهاز الحوفي، لا سيما اللوزة الدماغية Amygdala، ما يؤدي إلى سيادة أنماط التفكير الدفاعي على حساب القشرة الجبهية الأمامية Prefrontal Cortex المسؤولة عن التقييم المنطقي وضبط الاستجابة. وتفسر هذه الاستجابة في إطار علم الأعصاب الاجتماعي بوصفها تفعيلًا لأنظمة التهديد المرتبطة بالعلاقات القريبة، حيث يصبح الآخر العاطفي مصدرًا محتملًا للخطر بدل الأمان.
وتؤكد أبحاث علم الأعصاب الاجتماعي أن تهديد العلاقات القريبة يُنشّط دوائر الألم والتهديد العصبي ذاتها المرتبطة بالخطر الجسدي، ما يفسر حدة الاستجابات الدفاعية في فترات الهدنة
في هذه الحالة، لا يتعامل الفرد مع الواقع كما هو، بل كما يُعاد بناؤه إدراكيًا تحت ضغط الخوف.
من أبرز الآليات النفسية الموثقة في هذه المرحلة:
- فرط اليقظة المرتبط بنمط التعلّق Attachment-related hypervigilance، حيث يصبح الفرد في حالة مراقبة مستمرة لأي إشارة قد تُفسَّر كتهديد أو رفض، حتى وإن كانت محايدة.
- الاجترار الذهني المتمركز حول العلاقة Relationship-focused rumination، وهو نمط تفكير دائري يعيد تحليل نفس التفاصيل دون الوصول إلى حل، ويؤدي إلى استنزاف نفسي متصاعد.
- الإسقاط المتبادل تحت عدم الاستقرار العاطفي Mutual projection under emotional instability، حيث يُسقط كل طرف مخاوفه الداخلية وتوتره غير المعالج على سلوك الطرف الآخر، فيُفهم السلوك العادي بوصفه رسالة سلبية أو نية خفية.
وتُفهم هذه التأويلات ضمن نماذج علم النفس المعرفي التي تشرح التحيز التفسيري والاستدلال العاطفي تحت الضغط، حيث يُعامل الشعور بوصفه دليلًا، لا مجرد إشارة داخلية.
ويُصنّف هذا النمط ضمن الاستدلال العاطفي والتفسير الدفاعي، حيث يُعامل الشعور بوصفه دليلًا على الواقع، لا مجرد حالة داخلية مؤقتة
هذه الآليات موثقة علميًا، وتُعد استجابات بشرية متوقعة، لا دلائل خلل أخلاقي ولا ضعف إيماني.
ثانيًا: الانعكاسات السلوكية والاجتماعية
على المستوى السلوكي، قد تظهر أنماط متعددة، منها الصمت العقابي، الجفاء المتعمّد، المراقبة الدقيقة للتصرفات، اختزال العلاقة في واجبات شكلية، تصعيد السلطة، أو الانسحاب الكامل.
ويبيّن علم الاجتماع الأسري أن التشدد السلطوي يظهر غالبًا في فترات تهديد الدور أو المكانة، لا بوصفه قوة حقيقية، بل كاستجابة دفاعية لفقدان السيطرة
كما يفسر هذه السلوكيات بوصفها محاولات لا واعية لاستعادة السيطرة أو تقليل الشعور بالعجز وفقدان المكانة، إلا أنها غالبًا ما تؤدي إلى تعميق الانقسام، وزيادة التوتر، وتآكل الأمان العاطفي بدل إصلاحه.
وتُظهر دراسات الألم الاجتماعي أن الصمت أو الإقصاء في العلاقات الحميمة يُسجَّل عصبيًا كألم فعلي، لا كحدث تواصلي محايد، ما يفسر الأثر النفسي العميق للجفاء خلال هذه المرحلة
يُفسِّر علم الاجتماع الأسري هذه السلوكيات أيضًا في إطار ما يُعرف بـ family power dynamics، أي ديناميات القوة داخل الأسرة، حيث لا تُمارَس السلطة فقط عبر القرار الصريح، بل عبر أدوات غير مباشرة مثل الصمت، التحكم في الموارد، الانسحاب العاطفي، أو التفسير الانتقائي للواجبات. وفي فترات الهدنة أو العدة، يكون اختلال ميزان القوة أكثر وضوحًا، ما يفسّر كيف قد تتحول القوامة أو المسؤولية الشرعية، إن أُسيء فهمها، إلى ممارسة ضبط نفسي بدل كونها إطار رعاية وعدل، وهو ما يتقاطع مع النهي الشرعي الصريح عن الإضرار واستغلال مرحلة التعليق الزمني للعلاقة.
ثالثًا: الإطار الشرعي وفق فقه المقاصد
قال الله تعالى: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (الطلاق: 6).
تفسير القرطبي:
يبيّن الإمام القرطبي أن هذه الآية نهيٌ صريح عن الإضرار بالمرأة أثناء العدة، سواء بالإضرار في السكن أو النفقة أو المعاملة، ويؤكد أن الضرر لا يقتصر على الفعل الظاهر، بل يشمل القصد الكامن، كالتضييق أو الإمساك بقصد الأذى أو الضغط.
التعقيب التحليلي:
هذه الآية تضع حدًا أخلاقيًا وقانونيًا لأي محاولة لتحويل الحقوق الشرعية إلى أدوات ضغط نفسي أو معيشي. فهي تُربي الضمير قبل أن تُنظم السلوك، وتحذر من استغلال لحظة الضعف أو الحاجة. حتى في حال وقوع الطلاق، فإن الكرامة الإنسانية لا تسقط، ولا تتحول الهدنة إلى فترة عقاب أو انتقام، بل تبقى إطارًا يحفظ العدل ويمنع الظلم.
قال الله تعالى: وعاشروهن بالمعروف (النساء: 19).
تفسير الطبري وابن كثير:
يفسر الطبري المعروف بأنه اسم جامع لكل ما استحسنته الشريعة والعقول السليمة من حسن المعاملة، وطيب القول، وترك الأذى، والقيام بالحقوق. ويؤكد ابن كثير أن الأمر بالمعروف لا يسقط عند وجود النفور أو الكراهة، بل يُطلب ضبط السلوك حتى مع ضعف الميل القلبي، لأن التكليف متعلق بالفعل لا بالشعور.
التعقيب التحليلي:
هذه الآية تنقل العلاقة الزوجية من منطق التفاعل الانفعالي إلى منطق السلوك المنضبط أخلاقيًا. فهي لا تطلب من الإنسان التحكم في مشاعره، وهو ما لا يملكه، بل تطالبه بالتحكم في أثر هذه المشاعر على سلوكه. من منظور علم النفس، يتطابق هذا مع التمييز الجوهري بين الشعور والانفعال من جهة، والسلوك المقصود من جهة أخرى. وفي سياق الهدنة أو العدة، تمنع هذه الآية تحويل النفور الداخلي إلى قسوة ظاهرة أو إيذاء نفسي، وتُرسخ مبدأ أن الأخلاق تُختبر تحديدًا في لحظات التوتر، لا في حالات الرضا والانسجام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله.
الشرح الفقهي:
يُفهم هذا الحديث، كما قرره الشراح، على أن العلاقة الزوجية ليست عقد منفعة، بل عقد أمانة، وأن السلطة الزوجية – إن وُجدت – محكومة بالتقوى والمسؤولية، لا بالإطلاق أو التحكم.
التعقيب التحليلي:
يُعيد هذا الحديث تعريف القوة داخل العلاقة الزوجية. فالقوة هنا ليست القدرة على الفرض أو السيطرة، بل القدرة على ضبط النفس عند التوتر، والالتزام بالأمانة عند الخلاف. نفسيًا، يتسق هذا مع ما تُظهره دراسات القيادة الأخلاقية داخل العلاقات، حيث يُعد ضبط السلوك تحت الضغط مؤشرًا أعلى للنضج النفسي من فرض الرأي أو الانسحاب العقابي. وفي سياق الهدنة، يمنع هذا الحديث تبرير القسوة أو الجفاء باسم الغضب أو الحق، ويُحمل الطرف الأقوى نفسيًا مسؤولية أكبر لا امتيازًا إضافيًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم خياركم لنسائهم.
الشرح العام:
يربط الحديث معيار الخيرية بالسلوك داخل العلاقة الخاصة، لا بالمكانة العامة أو المظاهر الخارجية، ويجعل حسن المعاملة في المجال الخاص مقياسًا أخلاقيًا حاسمًا.
التعقيب التحليلي:
تكمن أهمية هذا الحديث في كسره لوهم شائع مفاده أن الأخلاق تُقاس في الفضاء العام فقط. علم النفس الاجتماعي يوضح أن السلوك في العلاقات القريبة هو الأكثر كشفًا للبنية الأخلاقية الحقيقية، لأنه يحدث في غياب الرقابة الاجتماعية. في فترة الهدنة، حيث تتراجع المجاملات ويعلو التوتر، يظهر جوهر القيم لا خطابها. لذلك لا يُقاس السلوك الأخلاقي هنا بالنوايا المعلنة، بل بكيفية إدارة الخلاف، وضبط اللسان، ومنع الأذى، حتى عند الشعور بالخذلان أو الغضب.
ويأتي هذا التنظيم منسجمًا مع فقه المقاصد في حفظ النفس والكرامة ودفع الضرر، لا بوصفه أحكامًا إجرائية معزولة عن الغاية.
فقه المقاصد يمنع قراءة النصوص قراءة تجزيئية تُفرغها من غاياتها، ويعيد ربط الحكم بسياقه الإنساني. ومن هذا المنطلق، فإن النصوص المنظمة لفترة العدة أو الهدنة لا تهدف إلى ضبط الشكل القانوني فقط، بل إلى حماية النفس من الانكسار، والعلاقة من التحول إلى ساحة صراع أخلاقي. علم النفس يؤكد أن غياب هذا الإطار القيمي يحول الخلاف إلى معركة هوية، لا خلاف مصالح، وهو ما يزيد احتمالات الضرر طويل المدى حتى بعد انتهاء العلاقة.
رابعًا: حق الرجل وضبط التوازن الشرعي
قال تعالى: ولا تنسوا الفضل بينكم (البقرة: 237).التفسير العام:
تُقرر هذه الآية مبدأً أخلاقيًا عامًا يحكم العلاقات عند التفكك، وهو استحضار ما كان من فضل ومعروف، وعدم اختزال العلاقة في لحظة النزاع الأخيرة.
التعقيب التحليلي:
تُعيد هذه الآية التوازن إلى الخطاب الأخلاقي، فكما يُمنع ظلم المرأة، يُمنع أيضًا إلغاء حق الرجل أو تحميله فوق طاقته. نفسيًا، تُظهر أبحاث العلاقات أن استدعاء الماضي الإيجابي يخفف من الاستقطاب العاطفي ويمنع شيطنة الطرف الآخر. وفي سياق الهدنة، تعمل هذه الآية كصمام أمان يمنع تحويل المرحلة إلى تصفية حساب أو إعادة كتابة العلاقة بأثر رجعي قائم على الغضب فقط. فالفضل هنا ليس تنازلًا قسريًا، بل اعترافًا بإنسانية الآخر حتى عند الاختلاف.
وتُظهر نظريات علم الاجتماع أن هذه المرحلة تُحمّل كلا الطرفين ما يُعرف بـ role strain، أي ضغط الدور الاجتماعي، حيث تتعارض التوقعات المفروضة على الفرد داخل الدور الواحد. فالرجل يُطالَب بالحزم وضبط القرار، وفي الوقت نفسه بالرحمة والاحتواء وضبط الغضب، بينما تُطالَب المرأة بالصبر وضبط الانفعال مع تحمّل الغموض العاطفي والمصيري. هذا الضغط لا يبرّر السلوك المؤذي، لكنه يفسّر نشوء استجابات دفاعية غير واعية كالتصلب أو الانسحاب أو التفسير الحرفي للنصوص، ما يجعل الضبط الشرعي في هذه المرحلة ضرورة وقائية لا مجرد توجيه أخلاقي.
وتؤكد نماذج ديناميكيات السلطة الأسرية أن اختلال التوازن القيمي أثناء الأزمات يزيد من استخدام القوة الرمزية بدل الشراكة، ما يهدد استقرار العلاقة على المدى البعيد
خامسًا: البعد الأخلاقي والتبرير الدفاعي
تشير دراسات علم النفس الأخلاقي Moral Psychology إلى أن الإنسان تحت التهديد يميل إلى تبرير استجاباته الدفاعية بقيم عليا لتخفيف التوتر الداخلي، دون وعي بانفصال السلوك عن المقصد الحقيقي لتلك القيم. في هذا السياق، قد يُلبس التفسير الذهني ثوب الدين، لا بوصفه التزامًا حقيقيًا بالمقاصد، بل كآلية نفسية دفاعية غير واعية.
سادسًا: التكامل بين العلم والدين
ما تقرره النصوص الشرعية من منع الإضرار، وضبط السلوك، وحفظ الكرامة، يتطابق مع ما توصلت إليه علوم النفس الحديثة حول أثر الجفاء، المراقبة، والتأويل الدفاعي على تدمير الأمان العاطفي. الفارق أن الشريعة سبقت بوضع إطار أخلاقي وقائي قبل أن تُصاغ النماذج العلمية بقرون.
أسئلة شائعة وإجاباتها
هل ما أشعر به الآن حقيقة ثابتة أم استجابة مؤقتة للضغط؟ الإجابة العلمية: في فترات الضغط العاطفي الحاد، خاصة المصاحبة للانفصال الجزئي أو التهديد بالفقد، تنشط آليات تشوه التقييم العاطفي Emotional distortion، ما يجعل الإحساس حقيقيًا من حيث الشعور لكنه غير موثوق من حيث الحكم. الإحساس يُحترم، لكن لا يُبنى عليه قرار. الإجابة الشرعية: الشريعة تفرّق بين الشعور والفعل. لم يُكلّف الإنسان بمنع شعوره، لكنه مُكلّف بضبط أثره وسلوكه. لذلك شُرعت العدة والمهلة لئلا يُبنى الحكم على حال اضطراب.
هل الصمت أو الهدوء من الطرف الآخر يعني عقابًا أو رفضًا؟ الإجابة العلمية: الصمت في هذه المرحلة غالبًا سلوك تنظيمي Self-regulation وليس رسالة عدائية. تفسيره كعقاب يدخل ضمن الاجترار الذهني المتمركز حول العلاقة Relationship-focused rumination. الإجابة الشرعية: لا يجوز نسبة النيات دون قرينة. الأصل في التعامل هو حمل الفعل على السلامة ما لم يثبت خلافه.
هل اللين والتراجع المؤقت ضعف أو فقدان للكرامة؟ الإجابة العلمية: التراجع المؤقت المدروس يُعد سلوك احتواء نفسي De-escalation وليس خضوعًا. الدراسات تؤكد أن خفض التصعيد يحافظ على الموارد النفسية ويمنع قرارات الاندفاع. الإجابة الشرعية: النبي صلى الله عليه وسلم كان أحلم الناس عند الغضب، ولم يُنقص ذلك من مكانته ولا من قوامته.
هل القوامة تعني إصدار الأوامر والالتزام الحرفي بها؟ الإجابة العلمية: نماذج السيطرة القائمة على الأوامر تزيد التوتر وتضعف الأمان العاطفي، وترتبط بنتائج سلبية على العلاقة. الإجابة الشرعية: القوامة تكليف بالمسؤولية والرعاية، لا تفويضًا بالقهر. المعاشرة بالمعروف شرط ملازم لها.
هل تأجيل القرار هروب من المواجهة؟ الإجابة العلمية: تأجيل القرار في حالات عدم الاستقرار يُعد قرارًا علاجيًا بحد ذاته، ويمنع التحيز المعرفي المرتبط بالضغط،وتشير أبحاث اتخاذ القرار إلى أن الضغط العاطفي يُفعّل نمط التفكير السريع الانفعالي على حساب التفكير التحليلي، ما يجعل تأجيل القرار إجراءً وقائيًا عقلانيًا لا ضعفًا. الإجابة الشرعية: تشريع العدة دليل صريح على أن التريث مقصود شرعًا، لا علامة ضعف.
هل من حقي وضع حدود نفسية في هذه الفترة؟ الإجابة العلمية: نعم، الحدود النفسية الصحية تمنع الاستنزاف ولا تعني الانسحاب أو العقاب. الإجابة الشرعية: لا ضرر ولا ضرار. حفظ النفس مقصد معتبر، ما دام بلا ظلم ولا أذى.
هل الرحمة مطلوبة حتى مع النفور؟ الإجابة العلمية: الرحمة السلوكية تقلل من تفعيل دوائر الدفاع وتمنع التصعيد. الإجابة الشرعية: النص القرآني صريح في الأمر بالإحسان حتى مع الكراهة.
خريطة ذهنية تربط العرض النفسي أو الديني بالتصرف الأمثل
فرط اليقظة المرتبط بالتعلّق Attachment-related hypervigilance العرض: مراقبة مفرطة، تأويل كل تفصيلة، توتر دائم. التصرف الأمثل: تقليل المراقبة السلوكية، الاكتفاء بالظاهر، تأجيل أي استنتاج. المرجعية الشرعية: النهي عن الظن، والأمر بالعدل في الحكم.
الاجترار الذهني حول العلاقة Relationship-focused rumination العرض: دوران فكري، أسئلة بلا إجابة، إنهاك نفسي. التصرف الأمثل: إيقاف التحليل المتكرر، تحديد وقت محدود للتفكير ثم الإغلاق. المرجعية الشرعية: كراهية الوسوسة، والدعوة إلى السكينة.
الإسقاط المتبادل تحت عدم الاستقرار العاطفي Mutual projection العرض: تفسير سلوك الآخر من خلال الخوف الشخصي. التصرف الأمثل: الفصل بين الشعور والتفسير، وعدم محاسبة الآخر على نوايا مفترضة. المرجعية الشرعية: تحريم تحميل النفس أو الغير ما لا يُعلم.
الصمت أو الجفاء المؤقت العرض: شعور بالنبذ أو الإهانة. التصرف الأمثل: اعتباره مساحة تنظيم، لا رسالة عقاب. المرجعية الشرعية: حمل الأفعال على أحسن المحامل.
الميل للسيطرة أو التشدد الديني العرض: استخدام النصوص لتبرير القسوة. التصرف الأمثل: العودة لمقاصد النص لا لانتقائيته. المرجعية الشرعية: المعاشرة بالمعروف، والنهي عن الإضرار.
الخوف من فقدان المكانة أو الرجولة العرض: تشدد، أوامر، إثبات ذات. التصرف الأمثل: إعادة تعريف القوة كحماية وعدل. المرجعية الشرعية: خيركم خيركم لنسائهم.
الرغبة في الحسم السريع العرض: استعجال قرار لإنهاء القلق. التصرف الأمثل: الالتزام بالهدنة كإطار وقائي. المرجعية الشرعية: تشريع العدة والتريث.
الخاتمة:
فترة الهدنة أو العدة ليست فراغًا زمنيًا ولا مرحلة انتظار سلبي، بل إطار مقصود لإعادة ضبط الإنسان قبل إعادة ضبط العلاقة. ففي هذه المرحلة، يمر الزوجان بحالة نفسية تتراجع فيها القدرة على الحكم المتزن، ويعلو فيها صوت الخوف والتأويل والدفاع، وهو ما يفسر كثيرًا من الأقوال والأفعال التي قد تبدو لاحقًا بعيدة عن القيم التي يؤمن بها الطرفان أصلًا.
تُظهر القراءة التكاملية بين علم النفس، علم الأعصاب الاجتماعي، علم الاجتماع الأسري، وفقه المقاصد الإسلامي أن ما شددت عليه الشريعة من منع الإضرار، وضبط السلوك، وإبقاء المعروف، ليس توجيهًا أخلاقيًا مجردًا، بل تنظيمًا واقعيًا لحالة إنسانية معروفة تحت الضغط. فالدين هنا لا يطلب إنكار الشعور، ولا العلم يبرر الاستسلام له، بل كلاهما يلتقيان عند مبدأ واحد: الشعور يُحترم، لكن لا يُتخذ أساسًا للحكم أو القرار.
إن أخطر ما يهدد هذه المرحلة هو تحويل التفسير الذهني إلى حقيقة، أو تحويل الاستجابة الدفاعية إلى موقف أخلاقي أو تكليف شرعي. فحين يُعامل الخوف كيقين، ويُلبس القلق ثوب القيم، تُستنزف العلاقة باسم الصواب، وتُكسر النفوس باسم الواجب. والمراجعة الصادقة في هذه اللحظة ليست تراجعًا عن الحق، بل عودة إلى مقاصده.
من هنا، فإن الهدنة أو العدة لا تُشرّع للحسم السريع، ولا لإثبات القوة، ولا لترجيح طرف على آخر، بل لخفض الاستثارة، وحماية الكرامة، ومنح العقل فرصة للعودة إلى موقعه الطبيعي بعد انحسار العاصفة الانفعالية. وما بعدها، إن كُتب استمرار، كان على أساس وعي أهدأ وعدل أرسخ، وإن كُتب فراق، كان بلا ظلم ولا انتقام ولا تشويه للمعنى الذي قامت عليه العلاقة يومًا.
وتدعم نماذج العلاج السلوكي الجدلي أن إيقاف التفاعل وخفض التصعيد في حالات الاستثارة العالية يُعد تدخلًا تنظيميًا أساسيًا يحمي الفرد والعلاقة من قرارات اندفاعية
حدود المقال وإطار التعميم:
يقدّم هذا المقال إطارًا تفسيريًا تكامليًا لفهم ما يمر به الزوجان نفسيًا وشرعيًا خلال فترة الهدنة أو العدة، ولا يهدف إلى تشخيص الحالات الفردية أو إصدار أحكام تقريرية على سلوكيات بعينها. فالاستجابات النفسية المذكورة تختلف في شدتها وتجلّياتها بحسب التاريخ الشخصي، نمط التعلّق، السياق الثقافي، ووجود عوامل مرضية أو ضغوط إضافية. كما لا يُغني هذا الطرح عن الرجوع إلى المختصين من أهل العلم الشرعي أو الصحة النفسية عند تعقّد الحالة أو خروجها عن الإطار الطبيعي للضغوط العاطفية.
المراجع الأجنبية
Baumeister, Roy F., and Kathleen D. Vohs. 2007. “Self-Regulation, Ego Depletion, and Motivation.” Social and Personality Psychology Compass 1 (1): 115–128.
Beck, Aaron T. 2011. Cognitive Therapy of Depression. New York: Guilford Press.
Blood, Robert O., and Donald M. Wolfe. 1960. Husbands and Wives: The Dynamics of Married Living. New York: Free Press.
Bowlby, John. 1988. A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. New York: Basic Books.
Eisenberger, Naomi I. 2012. “The Pain of Social Disconnection: Examining the Shared Neural Underpinnings of Physical and Social Pain.” Nature Reviews Neuroscience 13 (6): 421–434.
Gottman, John M., and Nan Silver. 2015. The Seven Principles for Making Marriage Work. New York: Harmony Books.
Gottman, John M., John Mordechai Gottman, and Julie Schwartz Gottman. 2019. The Relationship Cure. New York: Harmony Books.
Gross, James J. 2015. “Emotion Regulation: Current Status and Future Prospects.” Psychological Inquiry 26 (1): 1–26.
Haidt, Jonathan. 2012. The Righteous Mind: Why Good People Are Divided by Politics and Religion. New York: Pantheon Books.
Kahneman, Daniel. 2011. Thinking, Fast and Slow. New York: Farrar, Straus and Giroux.
Lieberman, Matthew D. 2013. Social: Why Our Brains Are Wired to Connect. New York: Crown Publishers.
Linehan, Marsha M. 2015. DBT Skills Training Manual. 2nd ed. New York: Guilford Press.
Loewenstein, George F., Elke U. Weber, Christopher K. Hsee, and Ned Welch. 2001. “Risk as Feelings.” Psychological Bulletin 127 (2): 267–286.
Mikulincer, Mario, and Phillip R. Shaver. 2016. Attachment in Adulthood: Structure, Dynamics, and Change. 2nd ed. New York: Guilford Press.
Mikulincer, Mario, Phillip R. Shaver, and Omri Gillath. 2013. “Attachment Theory and Emotion Regulation.” In Handbook of Emotion Regulation, edited by James J. Gross, 515–536. New York: Guilford Press.
Minuchin, Salvador. 1974. Families and Family Therapy. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Nolen-Hoeksema, Susan. 2000. “The Role of Rumination in Depressive Disorders and Mixed Anxiety/Depressive Symptoms.” Journal of Abnormal Psychology 109 (3): 504–511.
Porges, Stephen W. 2011. The Polyvagal Theory: Neurophysiological Foundations of Emotions, Attachment, Communication, and Self-Regulation. New York: Norton.
Scanzoni, John, and Letha Scanzoni. 1988. Men, Women, and Change: A Sociology of Marriage and Family. New York: McGraw-Hill.
Siegel, Daniel J. 2012. The Developing Mind: How Relationships and the Brain Interact to Shape Who We Are. 2nd ed. New York: Guilford Press.
Stanley, Scott M., Howard J. Markman, and Galena K. Rhoades. 2002. “Communication, Conflict, and Commitment: Insights on the Foundations of Relationship Success.” Journal of Family Psychology 16 (4): 659–670.
Walsh, Froma. 2016. Strengthening Family Resilience. 3rd ed. New York: Guilford Press.
Watkins, Edward R. 2008. “Constructive and Unconstructive Repetitive Thought.” Psychological Bulletin 134 (2): 163–206.
Williams, Kipling D. 2007. Ostracism. Annual Review of Psychology 58: 425–452.
المراجع الشرعية والتفسيرية العربية :
ابن عاشور، محمد الطاهر. 1984. التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. 1999. تفسير القرآن العظيم. الرياض: دار طيبة.
ابن ماجه، محمد بن يزيد. 2009. سنن ابن ماجه. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار الرسالة.
الترمذي، محمد بن عيسى. 1998. سنن الترمذي. تحقيق أحمد شاكر. القاهرة: دار الحديث.
الطبري، محمد بن جرير. 2001. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. القاهرة: دار هجر.
القرطبي، محمد بن أحمد. 2006. الجامع لأحكام القرآن. القاهرة: دار الكتب المصرية.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. 2004. الموافقات في أصول الشريعة. بيروت: دار المعرفة.
مسلم بن الحجاج. 2006. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.
تعليقات
إرسال تعليق